العباس بن بكار الضبي

6

أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان

الذي استطاع أن يكسب قلوب الرعية بحكمته وعدله ، ورحابة صدره . ولعل هذه الثقة هي التي دفعت كثيرا من النساء اللواتي شاركن في معركة صفين إلى الوفود على معاوية من غير أن يستدعيهن . من هؤلاء : عكرشة بنت الأطش ، وسودة بنت عمارة ، وأم سنان بنت خيثمة بن خرشة . أخبار هذا القسم من النساء أهم أخبار الكتاب على الاطلاق ، ومجالس معاوية معهن من مجالس العرب الطريقة الممتعة ، تتجلى فيها شخصية الخليفة المتسامح المتواضع ، وأسلوبه في معاملة الرعية ، فلا فرق عنده بين كبير وصغير ، وغني وفقير ، ورجل وامرأة . الكل سواسية في كلمة الحق ، وميزان العدل . كما تتجلى في هذه المجالس شخصية المرأة العربية ، وجرأتها ، وفصاحتها ، ومقدار الحرية التي كانت تتمتع بها ؛ فهي تستطيع أن تخوض المعارك ، وتحرض المقاتلين . وقد يكون لها دور بارز في ترجيح كفة المعركة ، لتأثير كلامها في النفوس والقلوب . مثل هذا أحس به معاوية إحساسا قويا ، وبدا لنا في حديثه مع عكرشة بنت الأطش : « فكأني بك على عصاك هذه ، وقد انكفأ عليك العسكران ، يقولون : هذه عكرشة بنت الأطش ! وإن كدت لتؤلبين علي أهل الشام ، لولا ما قدر اللّه « 1 » » . بمثل هذا العتاب كان يقرع سمع جليساته ، يذكرهن بمواقفهن في خصومته . ولكنه الخليفة العادل الذي يزين الأمور بالقسطاس ، ويقف مع الخصم ضد نفسه . وكم من مرة رأينا العبرة تفيض من عينيه حين تذكّره واحدة منهن بمواقف لعلي منصفة من الإسلام والمسلمين . وهذا ما يجعلنا نحبه ونعجب بدهائه كما أحببنا هؤلاء النسوة الجريئات اللواتي جئن إليه واثقات من عدله ، آمنات من بطشه ، سالكات في حديثهن معه صراحة ما بعدها صراحة ، وجرأة ما بعدها جرأة .

--> ( 1 ) انظر ص 38 .